ترجمة: د. محمد الطاهر الحفيان
وُزع تقرير في اللجنة البرلمانية المختصة بالقوات المسلحة في إطار مطالعة الميزانية في 20 مارس عام 2007 ، أعده وزير القوات الجوية بالولايات المتحدة الأمريكية السيد مايكل أوين ورئيس أركان القوات الجوية السيد مايكل موسلي . التقرير يُعلن عن إقامة قيادة عسكرية جديدة، حملت تسمية الفضاء الانترنتني (Cyberspace command)ستعمل بالتعاون مع القيادة الفضائية والقيادة الجوية في القوات الجوية للولايات المتحدة الأمريكية. المهمة الرئيسية التي وضعت أمام هيكلية القيادة تنحصر في تأمين تفوق الولايات المتحدة الأمريكية في فضاء الانترنت. بهذأ الشكل، الولايات المتحدة الأمريكية تحاول تطوير تفوقها وأفضليتها الحالية من أجل صنع تقنيات جديدة، و تمويل مشاريع التقنية العاقلة والسيطرة على الانترنت من أجل السيادة في الفضاء، الذي يملك كل الحق في تسميته بالفضاء الدولي.
الحرية والأمن في فضاء الانترنت
سجلت في القانون الدولي المبادئ الرئيسية للعلاقات المتبادلة بين الدول في إطار هذه الفضاءات، البحرية، والجوية، والكونية. لكن من الضروري الإقرار بأن تطور تقنية المعلومات وقبل كل شيء، الانترنت، أدى إلى ظهور فضاء آخر في العالم، وهو ليس جغرافيا ً بالمعنى العام المتعارف عليه لهذه الكلمة، إلا أنه يعتبر بكل المقاييس فضاء دوليا ً.
بالإضافة إلى ذلك يجدر الأخذ في الاعتبار أن الانترنت لوحده يعتبر المكون الأساسي للفضاء المتخيل، لكنه لا يكتفي به. في الهيئات الحكومية، والشركات العملاقة، وحتى نسبيا ً في أصغر مجموعات الاستعمال، التي يمتلك أعضاؤها تأهيلاً كافيا ً، تُعد شبكات اتصال " محلية" . لكن على حساب الاستعمال العام لمبادئ تقنية المعلومات، والوصول لهذه الشبكة من الخارج ممكن، أو حتى الاتحاد بها. هذا يعني أن إمكانية الهجرة في هذا الفضاء التحتي نسبيا ً يسمح بتجمعهم في مفهوم الفضاء الوهمي. يجدر الانتباه إلى العدد المتزايد من نقط الدخول للانترنت نفسه أي ما يسمى " النقاط ـ الساخنة"، التي بحسب تنبؤات الخبراء، في المستقبل سوف تكون منتشرة بحيث أن إمكانية الوصول لهذا الفضاء في الشبكة العالمية في مناطق كثيرة يمكن أن يصبح تقنيا بدون انقطاع. إذ مع نمو جاذبية دخول الخدمات التجارية إلى الانترنت، تتطور التقنيات التي تضاعف من مدى نشاط المنظومة المُمكنة للوصول إلى لانترنت.
علاوة على ذلك فان منظومة الإدارة تعمل آليا ً في مختلف الميادين بدءا من القطاعات التي تسيطر عليها الحكومة، الفضائية، العسكرية، الاجتماعية، الطاقة وحتى برامج إدارة المشاريع الخاصة، ووسائط تحقيق الدفع و التمويل المالي ، كل ذلك يعمل على توسيع الفضاء الوهمي.
إلا أنه حتى الآن يعتبر الانترنت الجزء الرئيسي للفضاء الوهمي، ويقترن بشكل دائم بمفهوم الفضاء ذي الحرية التامة العملية، أو في كل الأحوال، الحرية التي تتفوق على تلك الإمكانيات العملية، التي يمتلكها الإنسان في الفضاء العادي أو في الفضاءات الاجتماعية. وفي الوقت نفسه، مع الوعي بالإمكانيات الواسعة في مجال الاتصالات، التي تتغلغل في كل العالم الجغرافي، نما إدراك التحديات التي يحملها في طياته الفضاء الوهمي. لا يدخل الانشغال بتحديد هذه الأصناف من التحديات في مهمات هذه المقالة، ومع ذلك في مختلف البلدان في مختلف المستويات( التشريعية، الرأي العام ، رأي الخبراء وغير ذلك)، نُقشت وتناقش تلك الإشكاليات مثل: حماية الأطفال من المعلومات غير المناسبة أو الخطرة، تحريم الأفلام الجنسية ( ترويجها يعتبر في عدة دول جريمة)، منع المعلومات، التي تحمل صبغة عنصرية، والتي تدعو لهذه أو لتلك الأصناف من العداوات ( العرقية والدينية وغيرها)، السيطرة الأيديولوجية على وسائل الاتصالات ( المثل الأكثر شهرة ــ السيطرة على الانترنت في الصين)، الحماية من الخداع المالي باستعمال تقنية المعلومات( السحب غير القانوني من حسابات الغير، التحويلات المالية غير القانونية، الغش في الأوراق المالية، تزوير الوثائق وغير ذلك)، الحماية من جرائم الفضاء الوهمي( بما في ذلك وقبل كل شيء، هجمات قراصنة الانترنت، التي ترتكب بهدف محدد مغرض أو من أجل التسلية المهنية)، وختاما ً الحماية من إمكانية حدوث هجوم إرهابي باستخدام الانترنت ( على سبيل المثال، الحصول على إمكانية الوصول لمنظومات التحكم في المجال الحكومي الحيوي، كمحطات توليد الطاقة الكهربائية، الأجهزة الفضائية، الأسلحة، المنظومات المالية وغيرها).
هذه التهديدات جذبت وراءها مختلف التغييرات في هيكلية أجهزة الأمن في مختلف الدول وفي منظومة تأهيل الوحدات الخاصة، وأيضا ً أُدخلت ابتكارات إلى التشريعات الوطنية، دفعت إلى التفكير في المشكلات، التي كقاعدة عامة تختزل في المعضلة الأساسية ــ كيف يمكن المحافظة على الفضاء الوهمي، الذي يطور حرية الإنسان في مجال إبداعه وإمكانياته التقنية، وفي الوقت نفسه وضع العوائق للاستغلال السلبي غير القانوني لهذه الإمكانيات. نقلات محددة حدثت حتى على المستوى الدولي. بالخصوص يمكن الإشارة إلى الجهود المتخذة بخصوص التنسيق في الحرب على جرائم الفضاء الوهمي على المستوى الدولي في إطار الشرطة الدولية الانتربول. الدور الهام أيضا ً الذي من الممكن أن يلعبه في المستقبل مؤتمر الإشراف على الانترنت الذي تم إنشائه في عام 2005 م برعاية منظمة الأمم المتحدة. يجدر التنويه أيضا ً بنمو مستوى التعاون الثنائي والمتعدد الأطراف بين مختلف الدول في هذا الميدان، وأيضا ً تبادل الخبرات والمعلومات النشط على المستوى العلمي والإختصاصي والاجتماعي( إقامة حلقات نقاش دولية، ومؤتمرات، ومعارض وغي ذلك).
السيادة في الفضاء الوهمي
إلا أنه على الرغم من النمو العام، في الجهود ومداياتها، المتخذة من أجل تأمين الأمن في ميدان تقنية المعلومات في مختلف الدول، حتى الوقت الراهن لم يفصح بصراحة عن النية في السيادة على الفضاء الوهمي، واستغلاله من أجل القيام بعمليات عسكري و عمليات مضادة. للمرة الأولى صرّحت الولايات المتحدة الأمريكية عن هذه النوايا . يشهد على ذلك التقرير المشار إليه آنفا، والذي أعده وزير القوات الجوية للولايات المتحدة الأمريكية مايكل أوين ورئيس أركان القوات الجوية مايكل موسلي.
بجانب ذلك يمكن الإشارة إلى أنه أصبح معلوما ً إقامة قيادة للفضاء الوهمي قبل وقت من إذاعة القوات المسلحة الجوية للولايات المتحدة الأمريكية لتصريح بالخصوص، في 2 نوفمبر 2006 م. القيادة سيكون موقعها على أراضي قاعدة القوات المسلحة الجوية في باركسدييل، حيث يعمل في مجال الاستعمال العسكري لتقنية المعلومات ما يقارب 25 ألف شخص. الوحدة الأولى التي دخلت في هيئة القيادة، هي الجناح 67 للحرب الشبكية، المرابط في قاعدة ليكليند. الهيكلية الجديدة في العموم ستقام على قاعدة الجيش الجوي الثامن للولايات المتحدة الأمريكية ــ الوحدة الجوية الاستراتيجية التي نفذت عمليات عسكرية في يوغسلافيا والعراق. يرأس قيادة الفضاء الوهمي آمر الجيش الثامن الجنرال روبرت إيلدير.
تمويل القيادة الجديدة يجب أن يبدأ في شهر أكتوبر عام 2008 م. الانتهاء من تكوين هيكليتها تماما ً يخطط له على مشارف 2009 م . يفترض بالخصوص أن تضم هذه القيادة وحدة الخدمات الاستخباراتية للقوات المسلحة الجوية. علاوة على ذلك، قيادة الفضاء الوهمي سوف تنفذ مهامها بالتنسيق مع القيادة الفضائية للقوات الجوية للولايات المتحدة الأمريكية وقيادة الحرب في الجو.
وفقا ً لتحديد القيادة الموحدة للولايات المتحدة الأمريكية في عام 2006 م الفضاء الوهمي يفهم باعتباره " مكان، حيث يستعمل الطيف الكهربائي والكهرومغناطيسي من أجل تخزين، وتعديل وتبادل المعلومات من خلال المنظومات الشبكية وما يوافقها من البُنى التحتية الفيزيائية". هذه الصيغة الواسعة، التي بحسب كلمات ممثل القوات الجوية للولايات المتحدة الأمريكية، ستسمح للقيادة الجديدة بالتعامل مع مثل هذه التحديات، مثل متابعة التدفقات المالية، استخدام نظام GPS ، الرادارات، وسائط كواتم الإشارات وغيرها. ستدخل في مهام القيادة الجديدة أيضا ً حماية المعلومات الخاصة وإسكات مصادر معلومات الغرباء.
يشير التقرير المذكور بشكل مباشر، والذي وزع في مجلس نواب الولايات المتحدة الأمريكية، إلى أن "السيادة في الفضاء الافتراضي تخرج عن إطار الاتصالات وتقنية المعلومات وتتطلب تفوقا ً في كل جوانب القطاع الكهرومغناطيسي ـ بدءا من التيار الكهربائي المستمر إلى الضوء اليومي، وبما في ذلك موجات الراديو، والموجات الفائقة، والأشعة تحت الحمراء، وأشعة إكس، والطاقة الموجهة، وأيضا ً المجالات، التي لم نبدأ التفكير بها بعد، من اجل تأمين قيادة وإدارة عالمية، للمنفذ والقوة العالميتين".
بدا أن خصوم الولايات المتحدة يستخدمون الفضاء الافتراضي من اجل إجراء هجمات غير متعادلة، وذلك مرتبط، قبل كل سيئ، بانخفاض ثمن الدخول إلى هذا الفضاء واستخدام موارده. بالعلاقة مع ذلك، إحدى المهام التي وضعت أمام قيادة الفضاء الافتراضي، هي منع انتشار حضور خصوم الولايات المتحدة الأمريكية في هذا الفضاء.
تنشيط قوات الولايات المتحدة الأمريكية المسلحة
من الصعب تجاهل الإشارة إلى أن الفضاء الافتراضي ليس الاتجاه الوحيد المُلاحظ في المدة الأخيرة الذي نشطت فيه القوات المسلحة الأمريكية، فإدارة الولايات المتحدة الأمريكية صادقت في شهر يناير عام 2007 م على صيغة جديدة لمبدأ " عمليات في الفضاء" التي أشارت فيه إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة العظمى الفضائية المتقدمة في العالم والقوات المسلحة الجوية للدولة يجب عليها أن تستعمل تفوقها في سبيل تأمين الدفاع عن الفضاء الكوني. هذا المبدأ يطور مبادئ رئيس الولايات المتحدة الأمريكية " السياسة القومية في المجال الفضائي". وضعت فيها مهمة رفض الولايات المتحدة لأية اتفاقية دولية، يمكن بأي شكل من الأشكال في المحصلة أن تحد من نشاطات الولايات المتحدة الأمريكية في الفضاء، بما في ذلك المتعلقة منها بالبرامج العسكرية . علاوة على ذلك، تحوي الوثيقة على مادة تنص على الحق في حرمان الخصوم عند الضرورة من إمكانية استعمال إمكانياتهم الفضائية، المعادية للمصالح القومية للولايات المتحدة الأمريكية.
أصبحت أوامر رئيس الولايات المتحدة الأمريكية معلنة، مع بداية شهر فبراير عام 2007م بخصوص إنشاء القيادة الأفريقية. قيادات الولايات المتحدة الأمريكية بجانب المبدأ الوظيفي تتكون أيضا ً تبعا ً للمبدأ الإقليمي. وهكذا وُجدت حتى وقت قريب في هيكلية الجيش خمس قيادات إقليمية: القيادة الوسطى (CENTCOM)، القيادة الأوروبية ( (EUCOM، قيادة المحيط الهادئ (PACOM)، القيادة الشمالية (NORTHCOM)، القيادة الجنوبية (SOUTHCOM).
العمليات في أفريقيا حتى الوقت الراهن أشرفت عليها القيادات الأمريكية، والأوروبية، والوسطى وقيادة المحيط الهادئ. إلا أنه في المدة الأخيرة أصبحت القارة الأفريقية تلعب دورا ً متصاعدا ً باستمرار في شكل واحد من أكثر المزودين المستقبليين بالموارد الطبيعية، وبالأخص، في مجال الطاقة. هذا الاتجاه للولايات المتحدة الأمريكية مهم جدا ً على خلفية عدم الاستقرار في مجال النفط والغاز في الشرق الأوسط، وأيضا ً انخفاض نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية في جنوب القارة الأمريكية.
أيضا ً إلى لاتجاه الجديد في نشاطات الولايات المتحدة الأمريكية في المجال العسكري، بلا شك يجدر إلحاق إقامة منظومة (برو) المضادة للصواريخ ونشرها في أوروبا والتي صارت حتى الوقت الراهن سببا ً في برودة محسوسة في العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا.
علاوة على ذلك، من الضروري الإشارة إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية في العموم، تضاعف عدد قواتها المسلحة، وأيضا ً تمويلها. في هذا الإطار ينتظر بالاقتراب من عام 2012 م مضاعفة تعداد القوات البرية من 482 ألف ً الحالية إلى 547 ألف شخص. ومع بداية عام 2011م سوف يتضاعف تعداد قوات مشاة البحرية من 175 ألف الحالية إلى 202 ألف شخص. وفي بداية عام 2013 م سوف يضاف لتعداد القوات الخاصة 13 ألف شخص.
وفقا ً لمشروع الميزانية التي قدمها رئيس الولايات المتحدة الأمريكية جورج بوش في 5 فبراير عام 2007 م للكونجرس، يخطط الإنفاق على الدفاع في عام 2008 م 481.4 مليار دولار، دون حساب الإنفاق على الحرب في العراق وأفغانستان والتي تقدر بـ 93.4 مليار دولار في العام الحالي، أما في عام 2008 م فستبلغ 141.7 مليار دولار، بينما ستبلغ في عام 2009 م 50 مليار دولار .
سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على الفضاء الافتراضي
لكن فيما يتعلق بالفضاء الافتراضي، فالقوات المسلحة للولايات المتحدة الأمريكية تملك تفوقا أكثر أهمية حتى من الأموال الكبيرة المعتمدة. تاريخيا ً سارت الأمور بهذا الشكل الذي جعل من الولايات المتحدة الأمريكية بالخصوص الدولة التي حصل فيها النمو السريع العاصف الأكبر في قطاع تقنية المعلومات المدعوم من قبل الحكومة، وفي المحصلة، للولايات المتحدة الأمريكية بالخصوص تؤول السيطرة على الانترنت.
وفقا ً لوزارة التجارة في الولايات المتحدة الأمريكية توجد ابتداءا من عام 1998 م، أسماء وعناوين الانترنت تحت سيطرة شركة الانترنت لإعطاء حق استعمال الأسماء والأرقام: Corporation for Assigned Names and Numbers (ICANN) . بهذا الشكل وعلى الرغم من أن الحديث يدور حول نشاط تجاري تأسس للسيطرة على تطور الانترنت، واقعيا ً هذا النشاط يتركز في أيدي حكومة الولايات المتحدة الأمريكية. لذلك هيهات أن يكون هناك إمكانية لأي شك في أن الفضاء الافتراضي الجديد سوف يكون له أوسع الإمكانيات للعمل السري بالانترنت.
بهذا الشكل، تُهيأ الظروف، حيث دولة واحدة تضع فعليا ًتحت سيطرتها الوحيدة أحد الفضاءات الدولية ــ على الرغم من أن ذلك لم يتم الاعتراف به من الناحية القانونية، لكن فعليا ً هو كذلك.
البديل: مشروع الإدارة الدولية للفضاء الافتراضي تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة
هذه الحالة تستدعي استياء عدد كبير من الدول، من ضمنها، تقف معارضة كل من البرازيل، روسيا، الصين، جنوب أفريقيا، إيران، العربية السعودية، النرويج، سويسرا وغيرها. البديل الوحيد للتحكم في الانترنت الذي تقترحه هذه الدول هو إقامة هيئة ملحقة بمنظمة الأمم المتحدة، تتولى التعبير عن مصالح جميع الدول الأعضاء في هذه المنظمة. وهذا يعني أن الحديث يدور من حيث الجوهر، حول ضرورة إدارة الفضاء الدولي عن طريق هيئة دولية، تكون تحت رعاية المؤسسة الدولية، التي تضم معظم دول العالم.
يمكن الإشارة إلى أن الصورة المبسطة لذلك تشكلت تماما الآن في فضاء دولي آخر هو قيعان البحار. وفقا ً لميثاق منظمة الأمم المتحدة للقانون البحري في عام 1982 م السيادة على قيعان البحار والمحيطات وموارد ما وراء حدود السيادة الوطنية باسم كل الإنسانية تشرف عليها الهيئة الدولية لأعماق البحار.
أصبحت فكرة الهيئة الدولية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة التي تتولى التحكم في الانترنت تناقش بنشاط على المستوى العالمي بعد تأسيس مؤتمر إدارة الانترنت (Internet Governance Forum ) عام 2005 م في القمة الدولية للمعلومات التي انعقدت في تونس (World Summit on Informational Society WSIS)، والذي ينشط تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة. هذه القمة تجتمع مرة واحدة في كل عام وتناقش أهم المسائل الملحة في مجال تقنية المعلومات وتطوير الانترنت. تجدر الإشارة إلى أنه في سير التحضيرات للمؤتمر الأول، الذي انعقد في عام 2005 م في تونس، الاتحاد الأوروبي انظم للمطالبة بإنشاء هيئة دولية ملحقة بمنظمة الأمم المتحدة تختص بإدارة الانترنت.
كما صرح ممثليه بأنه حتى هذه اللحظة الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك إمكانية التحكم منفردة في عمل الشبكة الدولية، نظرا ً لغياب القاعد القانونية الدولية اللازمة لذلك. بهذا الشكل، إقامة هذه القاعدة القانونية ونقل صلاحية إدارة الانترنت إلى هيئة دولية، تمثل مصالح جميع الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة، هو الطريق الذي يمكن أن يؤمن الاستعمال الأكثر عدلا ً وأمنا ً لهذا الفضاء.
بجانب ذلك، من الواضح أن الحديث حول الأمن لا يجدر به أن يرد في سياق توطيد السيطرة على إمكانية استعمال الانترنت والفضاء الافتراضي بهدف اقتراف الجرائم أو الهجمات الإرهابية، بل أيضا ً وفي سياق منع أي استعمال هذا الفضاء لأغراض عسكرية، أو لتأمين سيطرة إحدى الدول أو مجموعة دول على دول أخرى.
الولايات المتحدة الأمريكية تحاول الإصرار على موقفها، بامتلاكها ترسانة من الإثباتات حول كيفية نشؤ المنظومة تاريخيا ً، وحقوقها في هذه المنظومة، والأخطار، والتغيرات في هذه المنظومة، والتعقيدات التقنية فيها، الأمر الذي يجبر على التحكم فيها من مركز واحد بالآلية المعدة لذلك. وأيضاً يمكن عدم السماح لتلك الدول التي لا تستطيع التعامل مع المنظومة، والتي مستوى تطور تقنية المعلومات فيها غير كاف وغير ذلك. إلا أنه في هذا الإطار تأتي كلمة ممثل منظمة الأمم المتحدة السيد يوسيو أوتسومو في مؤتمر القمة الثاني لإدارة الانترنت الذي انعقد في خريف عام 2006 م في العاصمة اليونانية أثينا معبرة جدا ً. هو بالأخص، تعرض بالنقد لقواعد الرقابة السارية على العناوين والأسماء في الانترنت، وأشار إلى أن ذلك يحرم الدول النامية من حقوقها. بحسب كلامه، هذه الدول ملّت من سماع البراهين المتأسسة على مبدأ " أنتم لا تفهمون". وأيضا ً كما أشار يوسيو أوتسومو " من أجل أن لا يعتبر الخبراء التقنيون أن المنظومة الأفضل، مهما جرت عملية تبرئة النفس، في صالح تأكيد أن هذه هي الطريقة الوحيدة الممكنة لعمل المنظومات أو التقنيات، التي يمكن الإعلان بأنها الأفضل لمدة قرن غير صحيح.
بشكل مشابه لهذا التصريح تحدث أيضا ً رئيس الوزراء في اليونان كوستاس كارامانليس، الذي انتقد الولايات المتحدة الأمريكية، داعيا ً المشاركين في القمة إلى " توطيد ديموقراطية الانترنت". بهذا الشكل ليس فقط الخبراء بل وعلى مستوى القيادات السياسية العليا، يتم التأكيد على أن الانترنت الذي ينظر إليه الرأي العام في الوقت الراهن باعتباره فضاءا للحرية وللديموقراطية، يحتاج، في واقع الأمر، إلى إدخال الديموقراطية إلى أشكال وطرق ووسائط إدارته.
على كل حال، مفهوم أنه إذا ما استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية الإصرار بنجاح على موقفها الذي يفضل، التحكم المنفرد في الانترنت، فانه بالأخذ في الحسبان خطط إنشاء قيادة للفضاء الافتراضي، في الآجال القريبة هذا الفضاء ليس فقط لن تدخله الديموقراطية، بل سوف يقع تحت سلطة نفوذ إدارة متقوية، تهدف إلى تحقيق السيادة العالمية بما في ذلك من خلال التحكم في شبكة المعلومات العنكبوتية الدولية.
هذا الفضاء أيضا ً سوف يُعسكر، الأمر الذي بحسب الملاحظ، يمكن أن يحدث مع فضاءات دولية أخرى كالفضاء الكوني. التغييرات في المبدأ الفضائي للولايات المتحدة الأمريكية بمعنى واحد يشير إلى خطط مشابهة للاستعمال العسكري للفضاء، تجدر الإشارة أيضا ً إلى أن أفاق وضع هذا الفضاء الدولي تحت تحكم الولايات المتحدة الأمريكية، بلاشك تنبثق من الحرية النسبية التي تمتلكها الولايات المتحدة الأمريكية في مجال الاستعمال العسكري للفضاءات الدولية البحرية والجوية.
أصبحت عملية نشر مجموعات سفن الأسطول البحري الحربي للولايات المتحدة الأمريكية في الخليج الفارسي في شهر مارس 2007 م احد أكثر الموضوعات نقاشا ً على المستوى الدولي. كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية تحدثت في الكونجرس الأمريكي مبررة توجيه المجموعة الثانية من حاملات الطائرات إلى الخليج ( يتزامن ذلك مع تزويد عدد من الدول بالصواريخ المضادة للصواريخ نوع " باتريوت ـ 3 ") بالعمل الضروري الذي تظهر فيه الولايات المتحدة الأمريكية حزم موقفها، وأيضا نظرا ً لأن إيران لا تأخذ بمحمل الجد استعداد الولايات المتحدة الأمريكية للحفاظ على حضورها العسكري في الخليج.
مفهوم بأن طريق حاملات الطائرات عمليا ً لا يمكن التحكم فيه، جوهريا ً، فهذه الحاملات تمثل جيشا ً صغيرا ً كافيا ً لشن حرب في أية منطقة في العالم، وهي تعتبر إغراءا لاستمرار اتباع سياسة دولية متفردة أحادية الجانب، والتي في المدة الأخيرة تعرضت للنقد عدة مرات من قبل روسيا الاتحادية وغيرها من الدول، بالخصوص بعد حديث الرئيس الروسي فلاديمير بوتن في مؤتمر ميونخ الخاص بالأمن الذي انعقد في 10 فبراير 2007 م، وقد صرح بالخصوص بالتالي: " اليوم نحن نراقب استعمال للقوة متضخم ومبالغ فيه جدا ً ومنفلت في القضايا الدولية، القوات المسلحة ـ القوات التي تدخل العالم إلى معمعة مشكلة وراء الأخرى".
يتوقع إذا لم يتخذ المجتمع الدولي في القريب العاجل جهودا ً بجانب النشاطات الموجودة والتي تسعى للبحث عن إمكانيات الحوار، لحل المشكلات بالطرق السلمية ، بالإضافة إلى تقوية دور الدبلوماسية الجماعية ــ الموجهة لتعزيز محاصرة المخططات ذات العلاقة بالاستخدام العسكري للفضاءات الدولية في المستقبل القريب، فسياسة القوة تتحصل على إمكانية التطور اللاحق، ومن الممكن فرض سيادتها. سياسة القوة المتبعة من طرف واحد، ستؤدي أجلا ً أم عاجلا ً إلى رد فعل مشابه من قبل بقية الدول الأخرى، المجبرة على حماية مصالحها القومية.
بدوره فرض التحكم الدولي على الفضاءات الدولية ، والمتحقق باسم جميع الدول الأعضاء بمنظمة الأمم المتحدة وعلى قاعدة هذه المنظمة، يمكن أن يصبح تماما ً واحدا من الإمكانيات الحقيقية لتقوية موقف أنصار عالم متعدد القطبية والعمل الجماعي للحلول السلمية للمشكلات والأزمات الدولية. وفي هذا السياق إقامة هيئة دولية تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة تختص بالتحكم بالانترنت أو بالفضاء الافتراضي يمكن أن يصبح قصب السبق، وفي حالة نجاح أدائها الوظيفي، فان خبرة الإدارة الدولية يمكن أن تنقل إلى الفضاءات الدولية الأخرى مثل الفضاءات البحرية، والجوية، والكونية.
كتبها محمد الطاهر امحمد الحفيان في 09:36 صباحاً ::
صباح الخير :-
موضوع شيق و كما قلت يا أخي فأميركا تسعي للسيطرة على الفضاءات جميعها الواقعية و الإفتراضية على حد السواء
لا أُبالغ إذا قُلتُ بأن الولايات المُتحدة في بحث مُستمر عن كل ما من شأنه أن يُتبث للعالم جدارتها واستحقاقها لقيادة العالم بعد سُقوط و انهيار الإتحاد السوفييتي
فهي أصبحت تبحث حتى عن أعداء افتراضيين و ذلك من أجل استخدام قوتها و استعراض عضلاتها أمام العالم
لدلك فهي تسعى لإمتلاك كل التقنيات المتقدمة و بإعتبار الإنترنت وسيلة من وسائل الإتصال و مجال من مجلات التنافس الحديثة فهي تسعى للسيطرة عليها و تقنينها و ربما حجبها على من لا تُريد لهم الإطلاع عليها
ناهيك عن حروب القرصنة التي تجري على أرض افتراضية و لا ننسى محاولات الدخول لقواعد البيانات في البنتاغون و غيرها من الأماكن الحيوية و الذي تعتبره أميركا كنوع من الإعتداء على هيبة مؤسساتها التي تقود أكبر الجيوش و تتحكم بها
لدلك فمن غير المُستبعد أن تسعى أميركا للتحكم في هذه الشبكة الدولية
و رُبما تكون ميادين حروب المُستقبل ذات تضاريس مُفترضة و فراغ تدور فيه أشرس المعارك
دمت بخير يا أخي
الاسم: محمد الطاهر امحمد الحفيان
