ترجمة : د. محمد الطاهر الحفيان
مشينا ربما مسافة طويلة، ربما قصيرة، ربما قريبة، ربما بعيدة: وصلنا إلى قرية سيوزما. هنا ودعتُ ألكسي. مضى هو في المقدمة، أما أنا فلم أثق في قدمي وطلبتُ إرسال قارب ليلحق بي في الجبال الحمراء ـ وهي قرية تقع عند البحر تماما ً في جهة شفاه أونسكي.
تفارقنا، استرحتُ يوما ً ومضيتُ إلى الجبال الحمراء.
امتد طريقي عند حاشية الغابة والبحر. هنا مكان للنضال، للمعاناة. مشاهدة صنوبرات وحيدة مرعبٌ ومؤلم. هي ما تزال حية، لكن مشوهة بفعل الريح، كما لو كانت فراشات بأجنحة منتوفة. تتلاحم الأشجارُ أحيانا في دغل كثيف، تلاقي الريح القطبية، فتنحني في اتجاه الأرض، تئن، لكن واقفة تربي تحت حمايتها تنوبات خضراء ممشوقة وبتولات نظيفة قائمة.
شاطئ البحر الأبيض العالي يبدو كظهر وحش شمالي كث. توجد هنا كثيرٌ من الجذوع المسودة الميتة، تصطدم القدم بها، كما على سطح قبر، توجد أماكن خالية سوداء تماما ً.
كثيرٌ من القبور تنتشر هنا. لكن لم أفكر بها. حين مضيتُ، لم تكن هناك معارك، كان هناك ربيعٌ: بتولات منحنية نحو الأرض، حاملة رؤوسا خضراء، صنوبرات تشرئب، منتصبة.
كان عليّ أن أحصل على طعام لنفسي، شغفت بالصيد، كعمل معيشي جاد. سنحت لي في الغابة، على مرج خال، كروانات جميلة، وطارت في مختلف الاتجاهات، أسرابُ من أبو طوق. لكن الذي أعجبني أكثر الاقتراب خفية من الطيور البحرية المجهولة. من بعيد لمحت رؤوسا هادئة، ربما بيضاء، أو سوداء. عندما أنزلت حقيبة الظهر، تركتها في مكان ما تحت صنوبرة أو حجر مميزين وزحفت. زحفتُ أحيانا ً فيرستا** أو اثنين، الهواء في الشمال شفّاف، لمحتُ طائرا ً من بعيد وغالباً ما انخدعتُ في تقدير المسافات. تورم جسدي حتى نزفت يدي وركبتي على الرمال، وعلى الحجارة الحادة، وعلى الغصينات الوخازة، لكني لم ألاحظ أي شيء.
الزحف إلى مسافة غير محددة نحو طيور مجهولة ـ هذه هي متعة الصياد السامية، هذا هو الحد، الذي يتحول فيه اللهو البريء المضحك إلى شغف جاد.
أزحف وحيدا ً تماما ًتحت السماء والشمس، نحو البحر، لكني لا ألمح شيئا ً، لا ألمح أي شيء من هذا لأن، كثيرا ً جدا ً من هذا كله في نفسي، أنا أزحف، كوحش، فقط أستمع كيف يدق قلبي بعنف وألم. هاهو يمتد نحوي على الدرب غُصين أخضر بريء، ينجذب إليّ، ربما، بمحبة وبرفق، لكني أبعده بهدوء وحذر، أنحني على الأرض تراودني فكرة تحطيمه بصمت. وكأنه يئن... أنا أرتعب جدا ً، أنبطح على الأرض تماما ، أفكر: ضاع كل شيء، الطيور فرّت. بعد ذلك أنظر بحذر إلى الأعلى. كل شيء هادئ، الصنوبرات المريضة غارقة في الشمس، ألقُ اخضرار البتولات يغشى البصر، كل شيء ساكن، كل شيء صامت. أواصل الزحف إلى الأمام نحو حجر معين، أعد البندقية، أسحب الزناد وببطء ألقي نظرة من خلف الحجر، مواريا ً بندقيتي في الطحالب الرطبة.
أرى، في بعض الأحيان، على بعد أربعة أو خمسة أمتار أمامي، طيورا ً كبيرة غريبة. بعضها نائم على قدم واحدة، والبعض يسبح في البحر، وأخرى تنظر ببساطة للسماء بعين واحدة، مائلة برؤوسها إلى هناك. مرةً تسللت إلى نسر نعسان على صخرة، ومرة ثانية ـ إلى عائلة بجع.
مرعوبا ً من التحرك، لا أحزم أمري في توجيه البندقية نحو الطائر النائم.
أنظر إليها بإمعان، حتى لحظة القيام بحركة ما سهوا ً، أو بانقصاف غصين تحت مرفقي بتأثير ذكريات حزينة، تطير كل الطيور بضجيج هائل، بانقصاف وخفقان أجنحة، مبتعدة إلى جهات مختلفة. لستُ متحسرا ً، لستُ غاضبا ًمن نفسي على عدم إصابتي الهدف، وأنشرح لأنني هنا وحدي، ولم يشاهد خيبتي أحدٌ من رفاقي الصيادين. لكني أحيانا ً أقتل.
عندما لا يكون الطائر بعد في يدي، أستمتع بشيء ما أكثر، وعندما أحمله في يدي، كل شيء يمضي. تجري أحداثٌ عصيبة أحيانا ً، عندما لا يُصاب الطائر في مقتل. عندئذ ابدأ في التفكير في ولعي بالصيد وبالطبيعة، كما في شيء سيئ جدا ً. هكذا أفكر، لكن تسنح لي على الطريق طيور جديدة، فأنسى ما فكرتُ فيه منذ دقيقة مضت.
<!--[endif]-->
* ميخائيل بريشفن:(1873 -1954 م)، كاتب روسي اشتهر بقصصه عن الطبيعة والحيوانات والإنسان(المترجم).
* * فيرستا: مقياس للمسافات يساوي 1060 مترا. ( المترجم).
كتبها محمد الطاهر امحمد الحفيان في 08:33 صباحاً ::
الاسم: محمد الطاهر امحمد الحفيان
