




محمد الطاهر الحفيان
غريغوري راسبوتن شخصية تاريخية روسية أثارت الكثير من الجدل، ولعبت أدوارا ً هامة في الحياة السياسية لآخر قياصرة سلالة رامانوف، نيقولاي الثاني.
وصُف راسبوتن بمختلف النعوت، فقد رأى فيه البعض قديسا ً، بينما نظر إليه آخرون باعتباره مشعوذا ً ماجنا ً.
ولد راسبوتن، ولقبه الحقيقي "نوفيخ"، في 29 يوليو عام 1871 م بقرية في سيبيريا تدعى بوكروفسكي.
لم يعرف عن حياة راسبوتن المبكرة إلا القليل نظرا ً لبعد مسقط رأسه عن المناطق الحضرية وانعزاله وصعوبة الوصول إليه، لذا فان ما حفظ عن حياته في مسقط رأسه عبارة عن شذرات قليلة جاء معظمها على لسانه هو نفسه.
يعتقد بعض الباحثين أن راسبوتن كان كاهنا ً، بينما يرى البعض الآخر بأنه ليس إلا ممثلا ً بارعا ً أتقن دور الكهانة وأقنع الكثيرين بأنه قديس مختار.
عاش في شبابه المبكر زائرا ً للكنائس والأماكن المقدسة ماشيا ً على قدميه، حسب زعمه، ووصل في تجواله الى اليونان وبيت المقدس.
بعد هذه الزيارات الدينية اعتبر نفسه قديسا ً مختارا ً وأعلن عن ذلك مؤكدا ً امتلاكه لقدرات خارقة تجلب الشفاء. انتشرت الشائعات عن هذا الكاهن في أنحاء روسيا، فسعى الناس إليه من أقاصي البلاد طلبا ً للبركة وللعلاج من مختلف الأمراض .
لم يدخل راسبوتن أية مدرسة، وكان أميا ً ولا علم له بالتطبيب، إلا أنه لعب دوره بشكل متقن، وبالفعل استطاع أن يساعد من لجأ إليه، وكان موهوبا ً في القدرة على تهدئة المتوترين وإعطاء الأمل لمن كان يائسا ً.
قال عنه كارهوه، إنه ابن سارق خيل، وأنه هو نفسه أصبح فيما بعد سارق خيل ولصا ً. وأتهمه أعداءه بأنه تمرن في مهنة السرقة، فنمت مهاراته وعلا مكره. فقد ألقي القبض عليه أكثر من مرة بالجرم المشهود وتعرض للضرب المبرح، وأنقذه رجال الأمن من أيدي الرجال الغاضبين بصعوبة بالغة.
كان يمكن أن يفقد راسبوتن حياته في مثل هذه المعارك والمخاطرات، لكنه تحمّل ما مر به من أهوال وصار قويا ً قادرا ً على اجتياز أشد المشقات.
من هذه الملاحظات يُحتمل أن يكون راسبوتن قد لجأ للدين متأثرا ً بهذه الظروف الإجرامية والقاسية. لكن من الثابت أنه لم يتلق أي تعليم ديني، وأنه كان غريبا ً على تعاليم الكنيسة الأرثوذوكسية، فتدينه كان ذو طبيعة خاصة لا تتفق مع محيطه. ليس هناك أية معلومات مؤكدة عن الأماكن التي زارها، أو بمن التقى وعاشر. إلا أن الثابت أنه تردد مرارا ً على إحدى الكنائس التي كان يرسل إليها معتنقي الطوائف الأخرى للإصلاح.
في أحد الأيام عندما كان راسبوتن يحرث الأرض، ظهرت له مريم العذراء وأخبرته عن مرض (ألكسي)، الابن الوحيد للقيصر نيقولاي الثاني والذي كان يعاني من مرض وراثي يسبب النزيف الدائم. ادعى راسبوتن أن مريم العذراء أمرته أن يمضي إلى مدينة بطرسبورغ ( عاصمة الإمبراطورية الروسية آنذاك) لإنقاذ حياة ولي العهد.
وصل راسبوتن الى عاصمة الإمبراطورية الروسية عام 1905 م، في وقت مناسب، إذ أن الكنيسة كانت في حاجة لأناس يثق بهم الشعب، وكان راسبوتن أفضل من يؤدي هذا الدور، بمظهره الفلاحي وبلهجته البسيطة وأعصابه المتينة وتأثيره الساحر. إلا أن أعداء راسبوتن قالوا إنه يستعمل الدين كستارة لأهدافه الخاصة ولروحه المتعطشة للمال وللسلطة وللنساء.
دعي راسبوتن للبلاط الإمبراطوري في عام 1907 م، أثناء إحدى نوبات مرض ولى العهد ألكسي. اشتداد حالة الطفل المرضية أجبرت العائلة الإمبراطورية على اللجوء لخدمات راسبوتن، الأمر الذي حاولت تفاديه خوفا ً من انتشار خبر المرض الوراثي وحدوث اضطرابات نتيجة لذلك.
هذه الدعوة كانت حدثا ً هاما ً وفر أرضا ً خصبة لنشاط راسبوتن وأثرت مضاعفاته على مصيره وعلى مصير الإمبراطورية كلها، فقد وثقت به الإمبراطورة وبقدراته الخارقة ثقة عمياء، وحاولت إقناع زوجها بذلك. كانت الإمبراطورة( المريضة هي وإبنها) مقتنعة بأن المعجزة وحدها كفيلة بإنقاذ ابنها، وراسبوتن استغل هذا الشعور بأن أقنعها بأن حياة وحيدها مرهونة بقربه من القيصر ووجوده في القصر.
الإمبراطورة كانت جاهزة للإيمان بأي شيء، لذلك فلم ينجح راسبوتن بإقناعها بضرورته لإنقاذ ولي العهد فقط، بل إن الإمبراطورة أكثر من ذلك كانت تؤمن بأنه مخلص روسيا من أزماتها المستعصية، وأنه مبعوث إلهي لهذه المهمة.
لم يرحب القيصر نيقولاي الثاني بتواجد راسبوتن الدائم بالقصر نظرا ً للإشاعات التي راجت عن سلوكه الشائن وغير اللائق، بالإضافة الى ما قيل عن استغلاله لنفوذ الإمبراطورة، في تقاضي رشاوى نقدية وعينية مقابل تقديم خدمات إدارية. كما قيل إنه كان سكيرا ً عربيدا ً، زرع الرعب في شوارع العاصمة. كل ذلك أضر بسمعة القيصر، خاصة ما دار من همس حول العلاقة الحميمة التي جمعت بين راسبوتن والإمبراطورة.
تعاظم نفوذ راسبوتن بفضل رعاية الإمبراطورة وعجز القيصر عن إبعاده وصل الى درجة أنه أصبح يتدخل في تعيين الوزراء، وكانت قصاصة من راسبوتن مكتوبة بخط لا يكاد يُقرأ كفيلة بتسلم أي شخص لوزارة.
مرت روسيا بفترة أزمات وتقلبات سياسية عاصفة فخلال فترة ستة عشر شهرا ً ابتداء من عام 1915 م تم تغيير أربعة رئيس وزراء، وخمسة وزراء للداخلية، وأربعة وزراء زراعة وثلاثة وزراء حربية. كان إصبع الاتهام على هذه الفوضى يتوجه على شخص واحد، اكتسب أعداء كثر هو راسبوتن.
اتسمت العلاقة بين راسبوتن والأسرة الإمبراطورية الروسية الأخيرة بالعمق والتقدير الأعمى حد التقديس، فقد قالت عنه الإمبراطورة: "أنا أحب الشعب. ها هو راسبوتن، فعلا ً من الشعب!". بينما اعتقد الإمبراطور أن راسبوتن " رجل طيب، بسيط، روسي متدين!"
من الناحية الأخرى الايجابية، يقال إن راسبوتن حاول منع اشتراك روسيا في الحرب العالمية الأولى، أو على الأقل تأخير دخولها للحرب متنبأ بأشد العواقب في حالة انغماسها فيها. وأنه كتب مرارا ً رسائل للقيصر بهذا الخصوص، إلا أن محاولاته لم تفلح. بل إن البعض يؤكد أن راسبوتن تنبأ بالثورة وحاول تحذير القيصر وحثه على اتخاذ الإجراءات اللازمة لتفاديها، إلا أن نصائحه لم يُعمل بها، وذهبت أدراج الريح مثلها مثل الإمبراطورية نفسها!.
كتب راسبوتن في ديسمبر عام 1916 م رسالة حررها محامي وأرسلت للإمبراطورة، تضمنت ثلاثة احتمالات لنبوءة واحدة:" أكتب لك وأترك خلفي هذه الرسالة في بطرسبورغ ... أحس بأني سأفارق الحياة قبل الأول من يناير (1917 م) ... إذا قتلني قاتل بسيط وبالأخص إذا كان أخا ً روسيا ً، فيمكنك يا قيصر روسيا أن لا تخاف أي شيء على أولادك، فهم سوف يحكمون روسيا مئات السنين الأخرى .. أما إذا كان قاتلي من الأعيان فالبلد سيدخل في فتنة قاسية...أما إذا كان قاتلي من عائلة رامانوف فلا أحد من عائلتك، لا أحد من أولادك وأقربائك سيبقى على قيد الحياة، لن تمضي سنتان حتى يقتلهم الشعب الروسي...."
مقتل غريغوري راسبوتن
عشق راسبوتن الحياة الناعمة والسلطة ونال من المجد والتقديس ما أسكره وأفقده توازنه البسيط حتى صار سلوكه ومغامراته تشبه الخيال. دخوله للبلاط وهو الفلاح البسيط ونفوذه الكبير بالإضافة الى شخصيته الغريبة ألبت عليه الأعيان الذين كرهوه أشد الكره فتآمروا على حياته.
اشترك في التآمر على حياة راسبوتن كل من ابن عم القيصر الأمير دميتري رامانوف، و الأمير فيليكس يوسوبوف رامانوف، النقيب بالقوات البرية، والأمير بوريشيفيتش، النائب في البرلمان، والدكتور لازوفير.
دعا المتآمرون راسبوتن إلى وليمة في 30 ديسمبر عام 1916 م في قصر يوسوبوف، وأوهموه أن حفيدة الإمبراطور، الحسناء الفاتنة، ترغب في رؤيته. وضعوا السم الزعاف في الفطائر وفي النبيذ وانتظروا أن يخر راسبوتن ميتا ً، إلا أنه لم يبد أي علامة للتأثر بالسم. في النهاية لجأ المتآمرون للسلاح الناري فأطلق النقيب يوسوبوف النار عليه من مسدسه، إلا أن راسبوتن لم يسقط واندفع خارجا ً في محاولة للنجاة بحياته، فلحقه الأمير بوريشيفيتش وأطلق النار مباشرة عليه فسقط مضرّجا ً بدمائه، ثم حاول النهوض على قدميه، فأسرع المتآمرون وأوثقوه ووضعوه في كيس ورموا به في حفرة في الثلج.
فيما بعد تم انتشال جثته، وحين كشف عنه وجد أنه ناضل قبل موته وحاول أن يخلص نفسه من القيود والكيس إلا أنه اختنق غرقا ً.
أصبح راسبوتن، رمزا ً للتهتك والشر حتى قبل مقتله. تبارى الكتاّب فيما بعد في نسج الخيالات عنه كانعكاس لمفارقات اجتمعت في تاريخ مفصلي، دفع إمبراطورية تلفظ أنفاسها الأخيرة بنظامها الإقطاعي البالي، للجوء لكاهن أمي من عامة الشعب بعدما فقدت أية قدرة على التغيير والإصلاح.
لم يفلح الكاهن في تغيير مصير الإمبراطورية المحتوم، إلا أنه ما يزال حتى اليوم يعبر عن التوق الإنساني للمعجزة وللنبوءة، يقدم تفسيرا ً يضفي الغموض على عالم يفقد في كل يوم سحر المجهول فيه.
كتبها محمد الطاهر امحمد الحفيان في 10:59 مساءً ::
الاسم: محمد الطاهر امحمد الحفيان
