ما يميز رالف بيتيرس، الخبير الاستراتيجي العسكري الأمريكي هو أنه يرى الأشياء كما هي عليه، من دون تزويق أو تورية، و يعبر باخلاص عن عقل ومشاعر الولايات المتحدة في شكلها المؤسساتي من دون اللجوء إلى أي دبلوماسية مخادعة.
يحاول بيتيرس باستماتة الدفاع عن استخدام بلاده للقوة العسكرية الغاشمة ولا يضيره وصف سلوكها هذا بالامبريالي، طالما أن الهدف هو حياة ورفعة شعبه بحسب اعتقاده.
بيتيرس لا يرى في أعداء الولايات المتحدة إلا ظواهر مرضية منعزلة يجب اجتثاتها من دون رحمة، بل لا يخفي اعتبار السعودية عدوا خطيرا للولايات المتحدة، وهو بذلك يكشف عن موقف جديد بدأ يتغلغل في صفوف الصفوة الأمريكية. وفي المقابل يدافع بيتيرس عن إسرائيل التي يعتبرها واحة وسط ما يسميه بمستنقع الشرق الأوسط الذي تهاوت حضارته وفقد مقومات الحياة الطبيعية.
قراءة رالف بيتيرس بتمعن في حد ذاتها قراءة للعقل الأمريكي ولوجدانه من خلال باحث استراتيجي، يتجاوز المحرمات الدبلوماسية مستندا على خبرة عسكرية كبيرة، جعل منها بعد تقاعده ذخيرة لتسويغ العنف العسكري، وازدراء المشاعر الإنسانية وعواطفها النبيلة، واستبدالها بمفاهيم جديدة تبيح كل شيئ، طالما كان الهدف حماية الولايات المتحدة، وحماية وجودها الذي يعتبره، جوهر الوجود الإنساني المتحضر ذاته.
إثنتا عشرة أسطورة حول حروب القرن الواحد والعشرين
ترجمة: محمد الطاهر الحفيان
لدينا مشكلة، ونحن نقف امام خطر الهزيمة في أكثر من حرب.
جنودنا لم ينسوا، كيف يجب أن يكون القتال، إذ لم يكن لدينا بتاتا رجال ونساء أفضل في الزي العسكري، لكن زعماؤنا وعدد كبير من مواطنينا الأمريكيين لم يعودوا يفهمون ماذا تعني الحرب، وما الذي يجب فعله لتحقيق النصر.
بفضل أولئك الذين يرتدون الزي العسكري، نعيش في أمن ورفاهية كل هذه المدة الطويلة، بحيث صار مفهوم " التضحية" تعني لأقلية فقط أكثر من اجبار النفس على الامتناع عن ارتياد بوفيه سويدي مرة لاحقة.
اتجاهان استقويا في غضون الأربعين عاما الأخيرة، وأسبغا طابعهما على جهلنا الوطني بشأن ثمن وضرورة النصر. الإتجاه الأول أن أكثر الأمريكيين المتميزين استخدموا الحرب في فيتنام كذريعة لرفض تقاليد الخدمة العسكرية.
في وقت ما قدمت رابطة جامعات اللبلاب[2] الأبطال. الآن يحتجون ضد وجود ممثلين عن فيلق تدريب ضباط الاحتياط في حرم جامعاتهم. ومع ذلك لا تزال جامعاتنا الرائدة تخرج على نحو غير متناسب عددا أكبر من زعماء الولايات المتحدة السياسيين. الرجال والنساء الذين يجب عليهم قيادتنا في زمن الحرب، ينظرون إلى الخدمة العسكرية باعتبارها مضيعة لوقتهم ولمواهبهم. الموظفون المنتخبون يلتقطون صورا مع الجنود والضباط بحماسة فائقة، فيما يحتقرون طبقة العسكريين في حياتهم الخاصة.
مرشح هام واحد فقط لمنصب الرئيس في كل من الحزبين الرئيسين من المحاربين القدامى، أما المرشح الآخر الذي يسعى ليكون رئيسا، فيدفع نظير ارتياد محل حلاقة لمرة واحدة نفس المبلغ الذي كنت أحمله شهريا إلى بيتي حين كنت جنديا بسيطا في الجيش.
الإتجاه الثاني أننا أضعفنا بشكل كبير تدريس تاريخ الولايات المتحدة في مدارسنا. بدءا من أعوام الستينيات، تم تقليص عدد ساعات حصص مادة التاريخ من البرنامج الدراسي، ومحتوى ما تبقى تم تركيزه حول المشكلات الاجتماعية وحول فضائعنا المزعومة.
المقرر الدراسي الذي بُسط إلى درجة العبث، قلل من أهمية الحروب، التي أمنت حريتنا. في المحصلة، الجهل بالثمن الفظيع الذي كان يجب على قواتنا دفعه مقابل حريتنا في الماضي، يولّد انتظارا عبثيا مرتبطا بنزاعاتنا الراهنة. وحين تقدم وسائل الإعلام تحليلا غير صحيح أو غير موضوعي، لايحصل الجمهور على المعلومات، الضرورية لاصدار أحكام صحيحة.
هذا المزيج من القيادة الوطنية التي لا تمتلك خبرة عسكرية والمواطنين الذين لا علم لهم بثمن الحرية، يتركنا مع حكومة تفعل ما يُخيل لها بأنه مفيد، ومع مواطنين يؤمنون فيما يفرحهم. وفي مثل هذه الظروف تزدهر الأساطير حول الحروب.
الأسطورة رقم 1
الحرب لا تغير شيئا.
هذا الشعار الشائع في الحرم الجامعي يتعارض مع كل التاريح الإنساني. خلال عدة آلاف من السنين، الحرب كانت الوسيلة الأخيرة، بل وكانت غالبا الأولى، للقبائل، وللأديان، وللسلالات، وللامبراطوريات، وللدول، وللديماغوجيين، يحركها الاستياء، والجشع، أو التعطش بلارحمة للمجد. لا أحد يعتقد أن الحرب أمر خيّر، لكن أحيانا تكون ضرورية. نحن غير ملزمين بالموافقة على السياسة التي تقودنا، أو كيف تسير حرب ما محددة، لكن نحن لا نستطيع الاعتماد على فكرة القائلة إذا قمنا بنزع أسلحتنا، فالآخرون سيفعلون الشيئ نفسه.
الحرب في واقع الحال، غالبا ما تغير كل شيئ. من ينهض لتأكيد أن الثورة الأمريكية، حربنا الأهلية، أو الحرب العالمية الثانية لم تغير شيئا؟ أكان العالم أفضل اليوم، لو أننا لعبنا دور دعاة السلام أمام وجه ألمانيا النازية، واليابان الامبريالية؟
بالطبع، بالطبع، ليست كل التغييرات التي أحدثتها الحروب على مدى قرن، إيجابية. حتى الحروب العادلة يمكن أن تؤدي إلى نتائج غير مرغوب فيها، على سبيل المثال، الاستبداد السوفييتي في نصف أوروبا بعد عام 1945. لكن يمكننا أن نكون واثقين من أمر واحد: هزيمة الولايات المتحدة في أي حرب، ستعني هزيمة ليس فقط للحرية، بل وللحضارة. أعداؤنا يؤمنون بأن الحرب يمكن أن تغير العالم، ولن تثنيهم أي ملصقات على مقدمة السيارات عن هذا الرأي.
الأسطورة رقم 2
النصر اليوم بعيد المنال
النصر يمكن تحقيقه دائما، إذا وافقت بلادنا على فعل الضروري لنيله. لكن النصر يمكن أن يكون بعيد المنال فعلا إذا وجدت قوات الولايات المتحدة نفسها أمام قيود غير مقبولة، إذا امتنع قادتها عن التصرف بحزم، إذا تطلب كل هدف موافقة محامين، وإذا حصل وتحطمت روح الشعب الأمريكي تحت وابل متواصل من الأحكام السلبية لوسائل الإعلام.
لسنا في حاجة إلى جنرالات يصطفون أمام الميكروفون، كي يعتذروا عن كل خطأ، يرتكبه جنودنا. نحتاج إلى الجنرالات الذين يعرفون كيف يُصنع النصر. وأنتم لن تستطيعوا الانتصار، إذا لم تقاتلوا. نحن الآن موجودون في المرحلة الابتدائية لصراع قاس، سيخبو وسيضطرم على مدى عقود، لكن لدينا جيل من قادتنا، في الزي العسكري وبدونه، مشغولون فقط بعدم الإساءة إلى مشاعر الأعداء. أحد جوانب ورطتنا المأساوية في العراق، هي أننا على الرغم من أننا عملنا خيرا باقصاء صدام حسين، قررنا فعل ذلك بثمن بخس. قانون الحرب الحديدي، يقول من لم يكن جاهزا لدفع الثمن مقدما للجزار، يدفعه في النهاية مضاعفا.
نحن لم نرغب في دفع ذلك الحساب فقط، زعماؤنا تصوروا أننا تستطيع مصادقة أعداءنا قبل أن ينهزموا تماما. إبادة عدة مئات من الأعداء القساة على شاكلة مقتدى الصدر كان من شأنها أن تجنبنا في عام 2003 مقتل آلاف الجنود الأمريكيين وعشرات آلاف من العراقيين لاحقا. نحن انخرطنا لتنفيذ هذه المهمة، التي لم تكف عزيمة زعمائنا لانهائها.
على الرغم من أخطائنا، في الشهور الأولى من عام 1942 بدا احتمال النصر أقل بكثير مما هو عليه في الوقت الراهن في حربنا ضد أعداء اليوم. هل كان علينا الاستسلام بعد سقوط الفلبين أم لا؟ اليوم أولئك الذين يشكلون الرأي العام في مجتمعنا، وكذلك الموظفون الذين انتخبناهم لم يعودوا يفهمون، ما الذي يلزم لتحقيق النصر. بحسب مقولة ناتان بيدفورد فوريست(1821-1877 ) [3
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ